مع انطلاق منافسات الليجا، بدأ البارسا بشكل قوي للغاية وحقق انتصار عريض علي ليفانتي بسبعة أهداف نظيفة مع الرأفة، بينما عاني الريال كثيراً حتي استطاع تحقيق فوز بشق الأنفس علي ريال بيتيس بهدف الصاعد ايسكو. الفوارق بين ليفانتي وبيتيس ليست كبيرة، لكن السر هنا حول بداية البارسا مع مدرب جديد دون أي تأثير، عكس ريال مدريد الذي ما زال يعيش تحت وقع تغييرات أنشيلوتي .
البعض أكد أن تاتا مارتينو عرف مفاتيح الفريق سريعاً ومجموعة أخري أوضحت أن المنافس ضعيف. ومع مباراة الريال، زادت التكهنات والنقاشات حول طريقة لعب كارلو، ومستوي الريال السيء مقارنة بالمباريات الودية في الولايات المتحدة، كثرت التشكيكات منذ الوهلة الأولي وكأننا في لعبة بوكر، تتغير فيها المؤشرات من لحظة الي أخري !
مشكلتنا دوماً المبالغات التي تتحول الي ويلات عند الهزيمة، الكل يبدأ في نصب المشانق بعد أول خسارة، واقامة الأفراح والليالي الملاح مع أول انتصار. ومع مقارنات برشلونة ومدريد، يبدو الأمر بعيد كل البعد عن المنطق والعقل، لأن الناديين يختلفان في العديد من الأمور الفنية والتقاليد التاريخية، التي تؤثر بكل تأكيد علي مسار البداية لكلاً منهما .
تاريخ، يتوارثه أجيال !
" في برشلونة هناك تقاليد متوارثة بالنادي، أسلوب لعب منذ عشرات السنين، نموذج ناجح يسير عليه الفريق مهما تغيرت الظروف،" كلمات بسيطة لكنها تحمل الكثير في طياتها قالها أسطورة ريال مدريد، الأرجنتيني دي سيتفانو خلال حوار صحفي قديم حول ما يميز فريقه الملكي، وغريمه اللدود برشلونة الكاتلوني .
وفي مقابلة سابقة مع أحد عرابي الكرة الشاملة في أوروبا والعالم، الهولندي القدير يوهان كرويف، أوضح الأسطورة بأن " كرة القدم لعبة غاية في البساطة، لكن التعقيد يأتي في القدرة علي تحقيق تلك البساطة، انها معادلة غريبة تشبه ما يسمي بالسهل الممتنع" وذلك أثناء سؤاله عن سر نجاح بارسا بيب ومحاولة فرق أوروبا تقليد أسلوبه .
كلمات تلخص الموقف باختصار، مهما تغيرت أسماء المدربين في كاتلونيا، فان ستايل الأداء وسيستم اللعب واحد، طريقة اللعب 4-3-3 غير قابلة للمساس، كل وافد يستطيع أن يضيف لمسته الخاصة، يعدل بعض الملاحظات، يقود الفريق وفق شخصيته، لكن في النهاية هناك مسار لا يختلف عليه اثنان .
في بداية عام 2008، ومع قرب رحيل ريكارد، جلس مارك أنجيلا - أحد الاداريين السابقين بالبارسا - مع جوزيه مورينيو من أجل التفاوض حول تدريب برشلونة، وقتها عرض البرتغالي أفكاره الخاصة مع تسليمه بأن الكرة الهجومية وطريقة اللعب الأساسية لن تتغير، واتفق الطرفان علي طريقة العمل وما يترتب عليها. طبعاً حدثت بعدها خلافات عديدة من جانب كرويف الذي رفض حتي النهاية تولي المو تدريب البلاوجرانا، وعرض عليهم الاسم الغريب وقتها، بيب جوارديولا ! لتبدأ أغرب وأنجح مهمة في تاريخ اللعبة .
ريكارد في 2006 لعب بثنائي محوري في بعض المباريات، ادميلسون الي جانب تياجو موتا، وفي مباريات أخري، ماركيز مع انيستا، وأمام الثنائي لاعب وسط هجومي كديكو. الهولندي قام بتعديل بعض الأمور الفنية لكن 4-3-3 هي الخطة في النهاية. جوارديولا أضاف الضغط العالي، المثلثات الهجومية، الانضباط الدفاعي، مع الحفاظ علي روح وبرستيج الكيان. تعديلات في الأفرع مع الاتفاق علي الجوهر .
اذا عدنا لسجلات التاريخ، سنجد أن برشلونة وصل اليه مدرب انجليزي علي أعلي مستوي، تيري فينابيلز في الثمانينات، لعب الرجل بطريقة أقرب الي 4-4-2، الفور فور تو الانجليزية، مع استقدام جاري لينكر ثم مارك هيوز. لعب الفريق بشكل جيد وحصل علي بطولة دوري ووصل الي نهائي دوري الأبطال، لكن الشكل العام في الأداء لا يتفق مع تقاليد بارسا، هناك سر ضائع، جانب مفقود، لم ترض الجماهير في النهاية، وطالبوا الادارة برحيله، حتي تم الفراق .
السر هنا في الشخصية، التي تفرض نفسها علي أي مدرب في العالم، من أجبرت مورينيو نفسه - المعروف بعشقه الي اللعب المغلق - علي الاستجابة للطوفان الهجومي الكاتلوني. الأسطورة تقول بأن النتائج تحفظ في سجلات الكتب، بينما طريقة اللعب هي من تظل في الذاكرة، لذلك 4-3-3 هي الأساس، والمبدأ هو اللعب الي الأمام. تاتا مارتينو بدأ بالأساس، سيضيف لمسته الخاصة مع توالي المباريات، لكن أسلوب لعب بارسا ساعده علي تلك الانطلاقة .
في مدريد، الأمر مختلف
في موسم 2005-2006، حصل ريال مدريد علي بطولة الليجا بطريقة أقرب الي الاعجاز، القدوم من بعيد وخطف اللقب في أخر الثواني بعزيمة فولاذية وارادة حديدية، انها الروح التي زرعها فابيو كابيلو في نفوس شباب الميرينجي وقتها. توقع الجميع بعدها استمرار فابيو لموسم أخر، ولكن الادارة المدريدية بمباركة " الجماهير " رفضت الفكرة، وأقالت الايطالي في نهاية الموسم .
وقتها، كابيلو أكد بأن ادارة وجماهير الملكي يريدون كرة قدم جذابة وجميلة، الموضوع ليس بتلك السهولة، من الصعب أن تلعب بهذا الشكل خلال فترة وجيزة، الأمر لا يتعلق فقط بالأسماء والنجوم في الملعب، بل بطريقة اللعب المتوارثة. اذا نظرنا الي برشلونة، سنجد أن هناك سيستم خاص بالفريق، سواء فازوا أو خسروا، فان أسلوب اللعب واحد. لكي يصل الريال الي تلك المرحلة، عليه مواصلة العمل الشاق الذي يحتاج الي سنوات .
لم تستمع ادارة مدريد الي نصيحة الرجل، ومنذ رحيل كابيلو وحتي الان، مر علي تدريب الميرينجي أكثر من مدرب، شوستر، خواندي راموس، بيليجريني، مورينيو، وأخيراً كارلو، والنهايات دائماً لا ترضي غرور العشاق والأنصار .
شوستر لعب بأكثر من طريقة في البرنابيو، مرة بارتكاز واحد، ومرة أخري بثنائي محوري، يبدأ في بعض المباريات بلاعب جناح واحد، وفي مباريات أخري باثنين، وظل علي هذا المنوال حتي تمت اقالته. جاء راموس وغير طريقة اللعب الي 4-4-2 بتواجد ثنائي هجومي، ثم بيليجريني الذي قدم كرة قدم جميلة مع الفريق لكن خذلته القوة الجبارة للمنافس برشلونة وقتها، وأخيراً مورينيو وطريقته 4-2-3-1 التي لم تصنع الفارق في النهاية، وخسر الفريق كل شيء ممكن .
أنشيلوتي في مباراة الأمس، لم يجد طريقة لعب سابقة يستطيع أن يبدأ بها مهمته مع النادي الأسباني، لذلك قام بتجربة أكثر من خطة خلال المباراة، بدأ بـ 4-2-1-3 بتواجد خضيرة ولوكا في المحور، مع ايسكو كلاعب وسط حر، أوزيل ورونالدو علي الأطراف مع بن زيما في العمق. ثم قام بتغيير طريقة اللعب الي 4-2-2-1-1 بتواجد أوزيل وايسكو كلاعبي وسط يميلان الي الأطراف، ورونالدو في العمق خلف بن زيما، وفي نهاية المباراة لعب برونالدو الي جوار بن زيما من أجل مزيد من الفعالية الهجومية .
كثرة التعديلات لا تصنع فريق فائز، يجب أن يكون هناك مرونة تكتيكية لكن علي المدرب التوصل الي مسار أساسي يبدأ منه في تغيير تكتيكه حسب سيناريو كل مباراة. في برشلونة يوجد هذا المسار، بينما في مدريد، لا يوجد وبالتالي تتغير طريقة اللعب مع كل مدرب جديد. هي أزمة كبيرة تواجه الفريق حتي لو فاز في النهاية بالعاشرة، لأن الفريق الكبير لا ينظر فقط تحت قدميه بل الي المستقبل، وبالتالي قبل الفوز بأي بطولة، علي أنشيلوتي التوصل الي ذلك المسار المفقود .
في النهاية، علينا ألا نبالغ في مديح تاتا، ولا في انتقاد أنشيلوتي، لأن الأرجنتيني ساعدته ظروف برشلونة، والايطالي عاني في البداية من فقدان الريال الي شخصيته الكروية. كارلو سيواجه تحديات صعبة في البداية حتي يصل الي التوليفة الناجحة، مع الأخذ في الاعتبار أن عامل الزمن ليس في صالحه خصوصاً أن خسارة النقاط في الليجا أمر صعب تعويضه .



0 comments:
إرسال تعليق